سهيلة عبد الباعث الترجمان

175

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

وأخطر هذه المسائل التي اشتد حولها الخلاف هي مسألة الخلافة التي كانت أول مسألة جوهرية تفرقت فيها كلمة المسلمين بعد موت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقامت من جرائها أهم الفرق الإسلامية في القرن الأول للهجرة ، كالخوارج والشيعة والمرجئة وغيرها وكلها تدّعي الصدق في موقفها وتدافع عن نفسها مستندة إلى القرآن الكريم . فالخوارج تمسكوا بمطالبتهم بتطبيق المثل الإسلامية إلى حد الكمال وتشددوا في مواقفهم ، والشيعة فيما ذهبوا إليه من أمر الوصية والعصمة ، والمهدية والرجعة ، والأشعرية فيما سلكته من الجمع بين النقل والعقل تدعيما للأول بالثاني لم يكن إلا نتيجة ذلك التنافر الشديد من موقف المتمسكين بالنقل مع شيء من المبالغة وهم الحنابلة ، وبين أولئك المتمسكين بالعقل مع شيء من المبالغة وهم المعتزلة . بذلك عمل الأشاعرة على الحل الوسط بين العقل والنقل . كل هذا الصراع بين الفرق عمل على تدعيم علم الكلام وتقويته واعتباره من العلوم الإسلامية ، ولكن ما هو دوره في مذهب ابن عربي ؟ وإلى أي مدى تأثر به ؟ وهل اخذ منه أم هو مجرد عنصر ثقافي شاع في عصره وشغل الفكر الإسلامي لفترة طويلة ؟ . يبدو لنا أن ابن عربي كان على علم تام بمذاهب المتكلمين وأساليبهم وطرق جدلهم كما هو واضح في مناقشته لآرائهم ، إلّا أنه لا يتبع فرقة خاصة من فرقهم ، بل يأخذ برأي الأشاعرة « * » في مسألة ، ويرى رأي المعتزلة « * * » في مسألة أخرى ، وأحيانا

--> ( * ) الأشاعرة هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنهما ، وما نادى به الأشاعرة وقالوا به كان الأساس الذي قام عليه مذهب يرتكز على العقل والنقل داعما الأول بالثاني بإيمان راسخ ، تصدى للاجتهادات العقلية وتأويل الآيات المتشابهات وغيرها ( الشهرستاني - الملل والنحل ، ج - 1 ، ص 119 ) ويقول صاحب تاريخ بغداد أن مولده كان سنة 260 ه ( الخطيب التغدادي ، ج - 11 ، ص 347 ) أما وفاته كانت بعد سنة عشرين ، وقبل سنة ثلاثين وثلاثمائة . ( * * ) المعتزلة : هم أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم أنواع الكلام ، والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل والمنصفون في مناظرة الخصم ، وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا نشتغل بالعلم والعبادة فسموا بذلك معتزلة والأصول التي هم عليها خمسة ( الملطي : التنبيه والرد على أهل البدع والأهواء ، ص 28 ) .